الجمعة، 4 يناير 2019

مراجعة كتاب: لا إمام سوى العقل

My rating: 3 of 5 stars

عظيمٌ هذا الكتاب، يلفتُ انتباهك منذ اللحظة الأولى، يكفي أن المؤلف استخدم جملة لا تفارق ذهني أبداً عنواناً للكتاب، ألا وهي "لا إمام سوى العقل" الجملة الشهيرة لفيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة العظيم أبو العلاء المعري.

ومن خلال تصفح فهرست الكتاب، أقول وبكل فخر أن الكاتب نجح تماماً في اقناعي بقراءة كتابه، حيث عنوان الكتاب أولاً ومن ثم العناوين الفرعية اللافة جداً للنظر.

بصدقٍ، يكاد يكون هذا الكتاب واحداً من أكثر الكتب التي "فشت خلقي" طيلة حياتي، ولا أخفيكم القول أن حبيب سروري بارعٌ في إيصال الأفكار والتأكيد عليها، كما أنه جريء جداً في الطرح الذي يقدمه في هذا الكتاب. وبالرغم من أنه كرر بعض المواضيع خلال العناوين الفرعية لفصول الكتاب، ولكن أجد له عذراً كون هذا الكتاب عبارة عن تجميع لعدة مقالات سبق له أن نشرها.

أخيراً، على من أراد أن يستفز عقله قليلاً سواء من الناحية الدينية أو السياسية أو الفكرية والثقافية ....إلخ؛ أن يقرأ هذا الكتاب. ودعوني أتجرأ وأقول علموه لأطفالكم؛ لعلهم يكتسبون مَلَكَةَ العقل النقدي الي يشك ويقدس كلمة "لا" عوضاً عن الإنسياق الأعمى وراء "نعم" التي تقتل كل طموح وكل فكرة وكل سعي إلى المعرفة.

تحميل كتاب مجاني: المعتزلة - ملائكة أم شياطين PDF


كتاب مجاني"المعتزلة - ملائكة أم شياطين"، بتنسيق وترتيب سلس مع الفهارس وإضافة التمييز اللوني للتفاصيل المهمة.

كتاب صغير وبسيط يشرح أهم أفكار المعتزلة، من إعداد وتأليف الأستاذ ناجح سلهب.


الخميس، 27 ديسمبر 2018

لأننا الأكثر حظاً؛ سوف نموت.

مصدر الصورة
"إن الحياة والموت يلتصقان ظهراً لظهر، فمن المستحيل أن نشعر أننا أحياء إذا لم نفكر أننا سنموت يوماً ما، كما أننا لا نستطيع التفكير بموتنا دون أن نحس وفي اللحظة نفسها بالمعجزة الغريبة، معجزة كوننا على قيد الحياة"، (جوستين غاردر، عالم صوفي).


استهل (محمد المطرود) خاطرته الرائعة بعنوان: " أوسم من الموت وأطول قليلاً"، بأن خاطب الموت: "لا شكَّ ستأتي، أعرفُ أنكَ ستأتي ..."، وبالرغم من بديهية الفكرة، وأننا يوماً ما سنموت كلنا، رضينا أو رفضنا. ومع التصديق الجازم بأن الموت واحد رغم تعدد الأسباب، إلا أن هوة الخلاف تزداد عمقاً عند الحديث عما بعد الموت.

بعضنا لا يعجبهم الأمر ولا يتقبلونه، وتعبيراً عن رفضهم للموت ينزعون إلى الاعتقاد بأن الموت ليس نهايتنا؛ وبعضُ بعضنا يزعمون أن أرواحنا ستتابع حياتها في جسدٍ آخر وحياة أخرى على الأرض، "لم يمت أحدٌ تماما، تلك أرواحٌ تغيَّر شَكلها ومُقامها"، (محمود درويش)؛ وبعضُ بعضنا الآخر يعتقدون أن أرواحنا ستكمل حياتها في مكان آخر حيث يُكافأ الناس أو يعاقبون، "يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ"، (آل عمران، 3:107)، "وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ"، (رسالة بولس إلى العبرانيين، 9:27).

وتتعدد وجهات النظر وتختلف حول الموت، فهناك عشرات الفرضيات التي تفسر لنا ما هو الموت، ولماذا نموت، وتتنبأ لنا بما بعد الموت؛ وبتعدد واختلاف كل هذه الفرضيات يبقى الموت واحد، كلنا سنموت، لن نعود هنا مرة أخرى.

أما بالنسبة لي، أعتقد أننا سواء آمنا أن الموت هو النهاية، وسواء آمنا أن هناك حياة ما بعد الموت، وبغض النظر إن كانت في جسدٍ آخر على وجه الأرض أو كانت في مكان آخر بعد فناء الكون؛ فإنه يبقى أجمل ما في الحياة أنها تنتهي، فلو كانت الحياة بلا نهاية، فإنها حتماً ستخسر الشكل والبنية والمعنى والغاية.

فمثلاً، تخيل معي أنك تقرأ كتاباً ممتعاً أو تشاهد فيلماً شيقاً، إنه نشاطٌ رائعٌ قد يمنح المرء سعادة عظيمة، ولكن الشيء الذي يجعله قادرٌ على ذلك هو أنه سينتهي في لحظة ما؛ فالكتاب أو الفيلم الذي يستمر ويستمر ويستمر ويستمر ويستمر ويستمر ويستمر إلى الأبد، لن يعود قادراً على منحك ذات القدر من السعادة، بالضبط كما أنك الآن لم تستطع قراءة كلمة "يستمر" لأكثر من ثلاثة أو أربعة مرات متتالية على أقصى تقدير! على الرغم من أنك لربما كنت مستمتعاً أثناء القراءة، إلا أن تكرار الكلمة بهذا الشكل سلب منك كل المتعة وقادك حتماً نحو الملل.

لقد شاهدتُ قبل حوالي أربعة سنوات فيلماً عظيماً اسمه "The Man from Earth" وما زال هذا الفيلم عالقاً في رأسي حتى الآن، يحكي عن رجلٍ ولد في العصر الحجري، وما زال حياً حتى يومنا هذا، وبالرغم من الطابع الدرامي للفكرة التي يقوم عليها الفيلم، وعرضها بشكل بسيط وتشويقي يسهل على المشاهد العادي فهمه مع قليلٍ من التركيز، إلا أنه لا خلاف على أنها فكرة عميقة جداً، تثير سيلاً من الأفكار في ذهن المشاهد وتذهب به يميناً وشمالاً وتجبره على أن يخوض بينه وبين نفسه سجالاً منطقياً طويلاً جداً ليدرك كل ما يُبنى عليها من أفكار وآثار أخرى، كأن تكون الشاهد الوحيد على التاريخ الذي تم تزويره مراراً وتكراراً، وما يتبع ذلك من سخطٍ سيتملكك حين ترى بأم عينك كل فضائح هذا العالم! أو أن تشاهدَ كل من أحببت وهو يفارقُ الحياة، أو أن تخدعَ الآخرين وتفارقهم فجأة خوفاً من اكتشاف أمرك ... إلى آخر السيل الفكري.

فماذا لو كنا نعيش إلى الأبد مثل "John Oldman" بطل الفلم؟ حسناً، بالنسبة لي هذه ليست الحياة التي أتمناها شخصياً، ولا أظن -بالرغم من كونها فكرة جذابة أن تعيش إلى الأبد- أن هنالك من يرغب حقاً بذلك، أن هنالك من خاض سجالاً منطقياً داخل رأسه بخصوص هذه الفكرة، محللاً لجميع السلبيات والإيجابيات المتعلقة بها، ثم خلص إلى رغبته في الخلود إلى الأبد. فلو كان الأمر كذلك، فما الدافع إذن لكي نغادر الفراش صباحاً؟ وما الغاية من النجاح وتحقيق الأهداف؟ وما الحاجة إلى الحب؟! ...، أعتقد أنه لا شيء؛ ببساطة لأنه دوماً هنالك غداً، دوماً هنالك فرصة جديدة، دوماً هنالك يوم جديد، لأنه ببساطة لا وجود للنهاية، فما الداعي للاستعجال؟!

أعتقد أن إدراكنا لأننا سنموت في يوم من الأيام، هو ما يعطينا الدافع لكي نكون أحياءً الآن، وهو ما يدفعنا للاستعجال في السعي إلى الاكتشاف والتعلم والمعرفة والانجاز، وهو ما يدفعنا للمبادرة إلى التعبير عن الحاجة إلى الحب، أن نُحِب وأن نُحَب، الآن وليس لاحقاً، لأن اللحظة التي تمر لن تعود أبداً. وهنا أقتبس ما ورد على لسان البطل الأسطوري "أخيليس" في فيلم "Troy" مخاطباً إحدى فتيات المعبد إن لم تخنني الذاكرة: "دعيني أُخبركِ سراً، الآلهة تحسدنا لأننا فانون، لأن أي دقيقة قد تكون الأخيرة لنا، كل شيء أجمل لأننا بائدون، لن تكوني يوماً أجمل مما أنتِ عليه الآن، لن نكون هنا مرة أخرى".

إذن، هل علينا الخوف من الموت؟ من أن نكون غير موجودين؟ في الواقع لا أعتقد ذلك، فالموت هو جزء طبيعي من الحياة وكما يُعرفُ الشيء بنقيضه، كذا تُعرف الحياةُ بالموت، ولذلك فإنه سيكون من الأكثر عقلانية ألا نخاف الموت، بل ينبغي أن نتآلف معه بدلا من ذلك؛ وعندها فقط يمكننا التركيز على إيجاد المعنى والغاية من الحياة، هنا والآن، أن نعيش الحياة الوحيدة التي نعرفها، المتيقنين تماماً من أننا نحياها الآن، ونساعد الأشخاص من حولنا على عيشها، أن نختار الخير على الشر دون أن ننتظر مكافأة أو نخاف عقاباً في مكان آخر.

أما ما ينبغي علينا أن نخافه حقاً، هو أن نعيش حياة فارغة من أي هدف أو منفعة للبشرية، أن نعيش دون أن نحقق أي شيء، أن نكون مجرد رقم لا قيمة له، مضافين إلى الحياة، لا مُضيفين عليها؛ وهنا أقتبس من (مصطفى صادق الرافعي)، "إذا لم تزد على الحياة شيئاً تكن أنت زائداً عليها".

"سوف نموت، وهذا يعني أننا نحن المحظوظين من بين مليارات الذين لم يولدوا أصلاً. إن عدد الأشخاص المحتملين الذين كان من الممكن أن يكونوا مكاني الآن، مكانك، مكان أي شخص موجود في حياتك، يفوق عدد حبات رمال صحاري العالم، ذلك أن عدد الناس الذين يسمح حمضنا النووي باحتمالية وجودهم، يفوق عدد الموجودين والذين وجدوا في السابق بأضعاف؛ ومن بين كل هذه الاحتمالات المذهلة، إننا، أنت وأنا وبالرغم من كوننا عاديين فقد أتيحت لنا الفرصة لكي نفهم كيف جئنا وما هو أصلنا وكيف نعيش، وما السبب وراء كون أعيننا مفتوحة ولماذا ترى ما ترى، قبل أن تُغلق إلى الأبد."، (ريتشارد دوكنز)

عندما نموت سنعيش بالأعمال التي قمنا بها وفي ذاكرة الاشخاص الذين كنا جزءاً من حياتهم، أما بالنسبة لأجسادنا فإنها ستتحلل إلى عناصرها الأساسية، وتصبح مرة أخرى جزءاً من دورة الطبيعة، فالذرات التي تكوننا الآن ستذهب لتشكل أشياء أخرى، أشجار وطيور، أزهار وفراشات، صخور وأشخاص آخرون، وذلك كما عبر الفيلسوف (نيكوس كزنتزاكيس) عن هذا الأمر بلغةٍ وتعبيراتٍ عذبةٍ جداً حين قال: "إن موتاك لم يعودوا يقبعون في التراب، إنما صاروا طيوراً وأشجاراً وهواء. إنك تجلس بينهم وتستطعم بلحمهم، وتستنشق أنفاسهم. لقد صاروا أفكاراً وأحاسيس".

ونهايةً اسمحوا لي أن أختم باقتباس أخير: "يجب عليك أن تخجل من أن تموت دون أن تحقق شيئاً للإنسانية"، (هوراس مان).

ما الذي تخفيه الكلمات؟

مصدر الصورة
"الآن فقط، أي بعد فوات الأوان، أدرك الإنسان الخطأ الذي أشاعه بثقته الزائدة باللغة" (نيتشة).
"نحن لم نعد نستخدم الكلمات بل نوظفها، نتحدث عن تأثيرها لا عن معناها"، (روبرت فيسك).

الحرب الثقافية هي -أولاً وقبل كل شيء، وأخيراً وبعد كل شيء- حربٌ كلامية/لغوية. حقيقةً إنَّ لنا أن نسأل بجدية: ما الذي تخفيه كلمة؟ ما الكامن في بضعة أحرف؟ وهل عندما نستبدل الكلمات بغيرها تكون الكلمات الجديدة قادرة على إيصال المعنى ذاته؟ أم أنها وسيلة لتحريف الحقائق وتضليل المتلقين؟ هل من الجائز أن نتعامل/نتعاطى مع هذه الكلمات على أنها معانٍ للمعاني؛ دون أن نُلقي بالاً لدلالات الألفاظ؟

يعجُّ الخطاب الإعلامي والسياسي بمظاهر تطويع اللغة، تلطيفاً؛ وتغليظاً؛ وإيحاءً؛ وتمويهاً. وتتضمن دساتير الأداء لكبرى المؤسسات الإعلامية قواعدَ صارمة ومُلزمة في انتقاء الكلمات وكيفية صياغة الرسالة الإعلامية.

حسناً، يقال إنكَ إن حَكَمْتَ اللغة حَكَمْتَ الثقافة؛ وإن حَكَمْتَ الثقافة حَكَمْتَ الشعب، وهذا ما هو حاصل الآن. يومياً وفي كل لحظة، وقبل وخلال وبعد كتابة هذه المقالة المتواضعة، هناك السياسي والناشط الاجتماعي والعامل في مؤسسات المجتمع المدني؛ الجالس أو الواقف وربما الماشي وهو يفكر في انتقاء الكلمات الأكثر تحريفاً وترويضاً، الأكثر خفة وقابلية للهضم؛ أو العكس، حسب الطلب. ولعلَّ القارئ الآن يستغرب، ولربما يفكر: ألهذه الدرجة؟

نعم، لهذه الدرجة وربما أكثر، تخيل عزيزي أن كلمة واحدة فقط قادرة على قلب الوعي الثقافي لمجتمعات كاملة بشكل مرعب؛ فالكلمات تشكل وعيناً وتحكم فكرنا البشري، وتغير مفهومنا ورؤيتنا للعالم من حولنا. وقد لخص "روربرت فيسك "هذه القضية بصورة رائعة عندما قال: "لقد قاموا بصياغة حقائق العالم في قائمة من الأكليشيهات تُعرِّف لنا حياتنا وتبدد لنا فكرنا وخيالنا وتجعلنا نُظهر الولاء لأصحاب السلطة".

فلا أحد حقاً يفهم هذا الأمر أكثر من السياسيين والإعلاميين وصُنَّاع القرار، فهُم أسياد الكلام واللغة، لأنهم يدركون تماماً أن الكلمة مهمة جداً وتحمل الكثير بين حروفها، وباللهجة الدارجة (بتفرق). ولذلك تجدهم يسعون دوماً لإبهاجنا وتحسين نفسياتنا، وجعلنا أكثر انسياقاً وراء سياساتهم، من خلال البحث الدؤوب عن ألطف التعبيرات وأقلها قسوة، واستبدال المصطلحات والتعبيرات القاسية بها؛ وذلك للتخفيف من حدة الكلمات وللتقليل من فظاظة وقسوة الواقع المعاش؛ أو تجدهم يفعلون العكس تماماً إن كان الهدف من الخطاب هو شحن الجماهير واستفزازهم.

والحق أقول إنهم ينجحون بجدارة في جعلنا أكثر قابلية لتقبل وهضم الواقع الصعب الذي نحياه، في الحقيقة هذه الكلمات والتعبيرات والمصطلحات الناعمة أو "الكيوت" كما توصف بشكلٍ ساخر، هي ليست أكثر من خدع لغوية هدفها ترويض الشعوب وإبقائها تحت السيطرة؛ وبذات الوقت ينجحون أيضاً وبجدارة في شحننا واستفزازنا لغايات تحقيق مصالحهم.

لن أطيل في شرح الفكرة في إطارها النظري لأن النظرية هي اختصاص النظريين، والقارئ العادي مثلي، لا يحب البحث في النظرية كثيراً إنما تشده الأمثلة الواقعية عليها، وهنا أسرد عدداً منها لعلها تكون قادرة على إيصال الفكرة واستثارة الوعي قدر الإمكان.

·        فمثلاً: يقوم الاحتلال الصهيوني (حسب روايته) ببناء "حاجز/سياج أمني" في الضفة الغربية بهدف إنقاذ حياة المواطنين "الإسرائيليين" الذين يستمر استهدافهم من قبل الحملة "الإرهابية" التي بدأت عام 2000؛ ومن جهة أخرى يرى بعض الفلسطينيين أن جدار "الفصل العنصري" (لاحظ أن هذا المصطلح يفيد الإيهام بأن الفلسطينيين والإسرائيليين شعبٌ واحد يفصل بينه العنصر/العِرق) ما هو إلا محاولة إسرائيلية لإعاقة حياة السكان الفلسطينيين وإعاقة النمو الاقتصادي من خلال عرقلة حركة البضائع بين مدن الضفة الغربية؛ ومن جهة أخرى يرى الفلسطينيون الآخرون أن جدار "الضم والتوسع" ما الهدف منه إلا ضم عدد كبير من السكان الفلسطينيين (حوالي 109000 فلسطيني) بشكل غير قانوني إلى الأراضي المحتلة، أو تطويقهم داخل الجدار، مما يُكرِّس تقسيم السكان على أساس عرقي وفصل المواطنين الفلسطينيين عن بعضهم، وإعاقة حركتهم من خلال فرض حظر التجول والإغلاق، هذا من جهة، ومن جهة أخرى مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية مما سيؤدي إلى توسع الوجود الصهيوني في الضفة الغربية وزيادة عدد المستوطنات فيها. (لاحظ الاختلاف في استخدام المسميات لذات الشيء وهو "الجدار" في هذا المثال).
·        وفي الآونة الأخيرة استطاعت الشركات النفطية والصناعية الضخمة في العالم، تحوير الرأي العام وتقليل الاهتمام بالاحتباس الحراري (Global Warming) من خلال استخدام مصطلح "كيوت" آخر لوصف نفس الحالة – مع التأكيد على عدم مناسبته لوصف هذه الحالة – حيث أنها مشكلة خطيرة تهدد الوجود الإنساني والحيواني والنباتي على كوكب الأرض، حيث صار يطلق عليها مصطلح التغيرات المناخية (ChangeClimate ) والذي في مضمونه لا يعني أي شيء على الإطلاق لأن المُناخ يتغير دائماً.
·        "التمييز العنصري" ببساطة يُستبدل بمصطلح آخر ليصبح "التمييز الإيجابي"، وذلك مثلاً عندما يريد رب العمل أن يشغل فقط فئة معينة من المتقدمين للعمل، أو عندما تريد المؤسسة التعليمية استقبال فئة أو عدد معين من الطلاب، حيث تصبح بين ليلة وضحاها هذه الفئة تستحق تمييزاً إيجابياً لصالحها لاعتبارات ومبررات كثيرة، رب العمل/المؤسسة التعليمية/أو غيرهما أقدر مني على اختلاقها.
·        ولا نتفاجأ عندما تجد أن صناعة الإباحية "Pornography" صارت تسمى ترفيه البالغين "Adult Entertainment"؛ فيما صار يُطلق على مؤديي الأفلام الإباحية "Porn Performers" مصطلح فيه نوع من التلميع والدلالة على عادِيَّة هذه الوظيفة وهو نجوم الإباحية "Pornstars".
·        وللتلطيف أيضاً نَصِفُ شخصاً أو فعلاً بأنه "متسامحٌ أخلاقياً" بدلاً من أن نقول بلغة واضحة وصادقة أنه ببساطة "لا أخلاقي".
·        ولربما مرت عملية "تجزئة" جثة "جمال خاشقجي" مرور الكرام، علينا بدلاً من "تقطيعها" وفقاً لبيان النائب العام السعودي.
·        وللتخفيف من حدة الرأسمالية والنيوليبرالية وممارساتها المقيتة والاستعبادية في حق الشعوب؛ صارت "الخصخصة" تسمى "توسيع نطاق الملكية".
·        حسناً ما بال "الـ......" المصرية ضد الرئيس السابق محمد مرسي؟ عفواً، أهي ثورة؟ (حسب الحكومة)؛ أم "انقلاب عسكري" (حسب الإخوان)؟  ... "الانقلاب" العسكري في غزة (حسب السلطة الفلسطينية)؟ أم "الحسم" العسكري في غزة (حسب حكومة حماس)؟
·        هل القيام بعمليات فدائية ضد الاحتلال الإسرائيلي يعتبر "مقاومة"؟ أم "إرهاب وأعمال عنف وتخريب"؟

وأحياناً تكون إضافة كلمة إلى مسمى ما، تغير مضامينها بشكل كبير، مثلاً:
·        "مقاومة"، كلمة تعبر عن قوة وجهد وقسوة وقتال، ولكن بإضافة كلمة بسيطة إليها مثل "شعبية" أو "سلمية" ينقلب المعنى رأساً على عقب.
·        كلمة "عدالة" والتي تعني حصول الفرد على ما يستحق دون أي منَّة أو فضل من أحد ودون أن يكون متميزاً أو مفضلاً على غيره؛ بإضافة كلمة "اجتماعية" عليها لتصبح "عدالة اجتماعية" ينقلب المعنى فوراً إلى سياق آخر، وهو حصول الفرد على ما لا يستحق وذلك فقط لوجوده ضمن مجتمع فيه مَن لهم مِنَّة و/أو فضل عليه، ولكونه مميزاً ومفضلاً على غيره من العالمين نظراً لارتباطه في هذا المجتمع.
·        بالمناسبة بعد استلام "باراك أوباما" لرئاسة الإدارة الأمريكية صارت "حرب أفغانستان" بين ليلة وضحاها تُسمى "عملية طوارئ"!
·        ومن الأمور المثيرة للسخرية أن منهم من هو متفائل "طقسياً" حيث أصبح الجو الغائم جزئياً مشمساً جزئياً!!

في الواقع الأمثلة لا تعد ولا تحصى في هذا المجال، وحيث أن الهدف الأساسي من هذه المقالة كان سرد المصطلحات وبدائلها كأمثلة، وإيماناً مني بأن المثال هو البوابة الأوسع والأهم لفهم الفكرة؛ كان تركيزي على سرد المصطلحات أكثر من تركيزي على مناقشة الموضوع من الناحية النظرية.
ونعود إلى عنوان المقالة، "ما الذي تخفيه الكلمات؟" .. ببساطة كل شيء.

الأحد، 16 يوليو 2017

مراجعة رواية: أرجوك اعتن بأمي

أرجوك اعتن بأمي أرجوك اعتن بأمي by Kyung-Sook Shin
My rating: 3 of 5 stars

هذه الرواية تدعوك للنظر بعمق في علاقتك بمن هم حولك، ليس فقط أمك بل كل من هم قريبون منك حتى. تدعوك لمعرفتهم أكثر ولأن تعطي قدراً ما من التقدير لوجودهم في حياتك.


وتُفهمك جيداً أن أكثر الناس قرباً لنا، سيرحلون يوماً ما، ربما فجأة، ويختفون عن هذا العالم تماماً، فلن نعود قادرين على أن نراهم لنقول لهم الكلام الذي لطالما أردنا أن نبوح به إليهم، لن نمتلك الفرصة لنعتذر لهم عن أخطائنا بحقهم، لن نجد فرصة لنشاركهم شرب كوبٍ من الشاي حتى !



أما من الناحية الفنية، فقد كان البناء السردي للرواية جميل جداً ومنتقى بعناية، مع أنني لا أرتاح عادة لصوت الراوي الذي يُخاطب الشخصيات، فهو يثير لدي إرباكاً في الغالب ويضعني في دوامة للبحث عن الراوي، من هو الراوي؟ وما علاقته بالشخصيات؟ ليس لعيبٍ في هذا الأسلوب، إنما في نقص خبرة الكتاب وخصوصاً العرب في استخدامه.



إلا أنه في هذه الرواية كان من الضروري أن تختار الكاتبة هذه التقنية من تقنيات السرد، حيث لم أجد صعوبة في أن أقرر فوراً أن الراوي هنا هو الضمير، ضمير كل شخصية من شخصيات الرواية، وصوتها الداخلي، الذي يعاتب ويتذكر ويحكي ويوبخ.



يكون أحياناً الرضى بالواقع وتقبله صعب جداً، ليس سهلاً علينا أن نرضى، ولكن في حالٍ كهذه ماذا عسى أي شخص فينا أن يفعل؟

تضعك هذه الرواية أمام سؤال كبير: (هل سيكون الأمر مختلفاً لو أن الأم ماتت بدلاً من أن تضيع وتختفي فجأة؟؟)
وينبثق من هذا السؤال عشرات الأسئلة الأخرى، أسئلة من صلب الرواية، وأسئلة من صلب حياتك أنت، لربما تسأل نفسك بعد أن تنهي هذه الرواية : "ما هي أكلة أمي المفضلة؟" أو "ماذا حلم أبي أن يكون عندما كان صغيراً؟" أو "هل أحبت أمي عمل المطبخ؟؟ (كما ورد هذا السؤال في الرواية)" أو أو .... وتمتد الأسئلة إلى ما لا نهاية ....


هذه الرواية بوابة من الأسئلة، ونافذة مشرعة على ومراجعة الذات.




View all my reviews

الثلاثاء، 21 مارس 2017

أخي قال لي: "لا تُصدقهم، أنت غبي"



عندما كنتُ طفلاً وصفتني عائلتي والكثيرون من المحيطين بي بالكثيرِ من الكلماتِ التي تدلُّ على الذكاء، مثل: "ذكي، عبقري، دقيق الملاحظة، لمَّاح، رهيب، أبو مخ ...إلخ"، إلا أن أخي الذي كان يكبُرني ببضعِ سنين شَعَرَ حينها بما يُغيظه في كل هذا، واشتعلتْ نارُ الغيرةِ في قلبِه، حيثُ كانت كلُّ هذه الأوصاف تُطلق عليه سابقاً، وأظن أن أكثرَ ما أغاظَهُ منها عندما قالوا عني: "أذكى من أخوه"، فأحسَّ الآن بأن هنالك من صار ينافسه على اكتسابها! فكرهني بحق!

وللانتصار لنفسه صارَ يتعمَّدُ دوماً أن يصِفَني بكلِّ ما يدلُّ على الغباء، وأن يُقلل من قُدراتي ومعرفتي، وأسوأ ما فعله بي هو عندما ظلَّ يقولُ لي دوماً: "ما تصدقهم، بكذبوا عليك، أنا الذكي مش أنت، وأنا أذكى منك، هم بحكوا هيك بس عشان يبسطوك، ولأنهم شفقانين عليك لأنك حمار". لقد أوقعني كلامه هذا في حيرة كبيرة حينها، واهتزَّت كل أفكاري، من سأُصدِّق أخي أم الآخرون؟ هل أنا حقاً غبي؟ هل حقاً كانوا يكذبون عليّ؟ ... وفي النهاية فقدت الثقة في نفسي، وصدقته!

لقد صدَّقتُ أنني غبي، أو على الأقل غبيٌ بالمقارنة به، لكنني لم أستسلم لذلك، وللانتصار لنفسي، وأملاً في استرداد ثقتي التي فُقِدَت مني؛ صِرتُ أتحدى نفسي وأخي لكي أكون الأذكى.

لقد كانت طفولتي حافلةً بالتنافس والتحدي. ارتفع جو التنافس بيننا وامتلأتُ بالشغف، الشغف نحو المعرفة، أو ربما الهَوَس! فظلَّت تُلازمني الرغبة في المعرفة وزيادة مستوى الـ "IQ" الخاص بي. انطلقتُ بدايةً نحو التجربة، بدأتُ أُجرِّبُ كلَّ شيء، وأتعلَّمُ من المحيط الذي كنتُ أعيشُ فيه، فقط لأُثبِتَ لنفسي ولأخي أنني الأذكى.

اصطدتُ عقرباً ذات يوم وسجنته في علبةٍ لكي أراه عن قرب، قصصتُ ذيله لأرى كيف سيلسع بعد الآن، حملته بيدي ولم يلسعني، فاحتفظتُ به في العلبة، إلى أن رآه أبي فقتله.

أردت أن أعرف أهمية الشوارب للقطة، فقصصتُ شواربها، بعد أيام عادت ووجهها مليء بالندوب، لم أعرف السبب يومها، أو الرابط بين قصي للشوارب وبين هذه الندوب، إلى أن قرأتُ مقالةً عن أهمية الشوارب للقطط فعرفتُ فيما بعد. ومرةً أخرى قصصتُ لها أظافرها بدافع النظافة طبعاً، فتغيرت مشيتها!

حاولتُ أن أُشرِّحَ دجاجة ميتة لأتعرف على ما تحتويه، فلطالما شغلتني الأشياء المختفية في الداخل، الأشياء التي لا نراها، ولكنها السبب الرئيس وراء كل ما نراه. ثم بعدها انتابني الفضول لكي أرى أعضاءها وهي على قيد الحياة وخصوصاً القلب، فشققت بطن دجاجة حية ورأيتُ قلبها وهو ينبض لبضع ثوانٍ قبل أن تفارقها الحياة، لقد كان انتصاراً كبيراً يومها وتجربةً مليئة بالشغف!

تعلَّمتُ أن أُفكك الألعاب وأستخرج منها الأضواء والمحولات والبطاريات، ثم صنعت بها أول دائرة كهربائية بسيطة لوحدي، بالمناسبة لقد صعقتني الكهرباء في طفولتي أكثر مما صعقت فنيي الكهرباء!!

تعلمت أن أصنع صمغاً طبيعياً من صمغ شجرة المشمش الكبيرة التي كانت في حديقة بيتنا، ثم بدأت بجمع الصمغ من كل الأشجار الأخرى كاللوز والسرو، لقد كان صمغ السرو أكثر أنواع الصمغ قوة! إلا أن ما يُعيبه هو صلابته الزائدة وسرعته في الجفاف مقارنة مع صمغ المشمش واللوز، وقد جُنَّ جنون أخي حينها لأنني لم أقبل أن أعلمه كيفية التصنيع؛ مما دفعه لأن يبول في علبة الصمغ التي استغرقت مني أشهراً في صناعتها. بكيتُ كثيراً يومها، حين كان يضحكُ مني ساخراً.

تعلمتُ أن أُفكك جهاز الكمبيوتر قطعة قطعة، ثم أعيد تركيبه من جديد، تعلمتُ الكثير من خُدع الكمبيوتر وبرمجياته وآلية عمل أنظمة التشغيل وبرامج التشفير والاختراق (Hacking)، فقمت ابتداءً باختراق حاسوب أخي الأكبر وإيميله، ولم أجد لديه ما يُثير الاهتمام. بعد ذلك أكملت هوايتي في الاختراق إلى أن أعددت قائمة تعدت الأربعمائة حاسوب وإيميل قمتُ باختراقها، إلى أن أصابني الملل وآلمني ضميري فقررتُ أن أنأى عن هذه المعرفة وأنقطع عن متابعتها، وقد نجحت في ذلك جيداً نظراً للتطور الكبير الذي وصَلَتْ إليه التكنولوجيا وأنظمة الحماية والأمان وعدم متابعتي لهذا التطور.

عندما صار عمري أربعة عشر سنة، انتبهتُ إلى أن هناك في مخزن بيتنا مكتبةٌ كبيرةٌ جداً ومليئةٌ بشتى أصناف المعرفة، فصِرتُ أقتل الوقت بالقراءة، كانت القراءة في البداية بدافع الاستطلاع والترويح عن النفس، لم أكن قارئاً منتظماً أو جيداً، لم أكن أهتم كثيراً بما أقرأه، ثم ما لبثتُ أن بدأتُ بالتهام الكتبِ التهاماً، فقد كانت تفتحُ أمامي عوالمَ كبيرة وواسعةً جداً، وأهمُ ما في الأمر أن القراءة جعلتني أتفوَّقُ بشكلٍ كبيرٍ جداً على أخي. لقد سبقتهُ بأميالٍ طويلة، وأخيراً حققتُ ما كنتُ أصبو إليه: صرتُ أذكى منه وأكثرُ ثقافةً وأغزرُ خيالاً.

وبالرغم من أننا صِرنا بالغَين اليوم ولم نعد طفلين يتناوشان ويتنافسان على الذكاء والمعرفة، بالرغم من أن التنافس الذي كان بيننا صار تحالفاً، وبالرغم من أننا صرنا صديقين حميمين جداً اليوم، إلا أنه لا يزال يُنكر ذلك، يُنكر تفوقي عليه، ولا ينفكُ يقولُ لي: "بالرغم من أنني أذكى منك، إلا أنني أعترف بأنك أذكى من قابلتُ حتى الآن".

منذُ أشهرٍ قليلة، أفصح لي عن نيته بأن يبدأ بالقراءة. ولذا أظنني الآن بحاجة إلى إخفاء كُتُبي المهمة عنه، والبدء بقراءة عددٍ كبيرٍ من الكتب الجديدة لكي أُحافظ على تفوقي.